أطلالها
نحن نعلم أن كاظمة كانت محل سكنى منذ القدم , وأن للمنذر فيها قصراً تسكن فيه ابنته فاطمة صاحبة المرقش الذي ذكرت قصته في قسم (عشاقها) , ثم إن كاظمة على طريق المسافرين في الذهاب والإياب من البصرة واليمامة ومكة , وهي ملتقى لجميع أؤلئك المسافرين ينتظر فيها بعضهم بعضاً , يجلسون فيها مجالس لإنشاد الشعر .
وربما كانت سوقاً يعرض بعض المسافرين فيها شيئا من عروض التجارة , ولا بد أن تكون لهؤلاء بيوت ينزلون بها , وإن كانت قليلة ,
فأين أطلال تلك البيوت؟
ويروي لنا ابن عبد ربه في العقد الفريد : أن عبدالله بن عباس , حين رجع من البصرة وكان والياً عليها إلى الحجاز مر في طريقه على كاظمة وكان راجزهُ يقول:
صبّحنَ من كاظمة القصر الخرب
مع ابن عباس بن عبد المطلــــب
فأين أطلال هذا القصر يا ترى ؟
أم أن أطلاله قد محيت على مر الزمن , وكان خرباً في ذلك الوقت ؟
بالواقع أن كاظمة لا تخلو من الأطلال , وهي إن لم تكن بقايا البيوت والمساكن فهي الأدوات المستعملة , ويخيل إلي أن البدو في عصرنا قد صادفوا الكثير من ذلك , ب قد سمعت بعض الأقوال ي هذا .
ولو توافر لهذه الأطلال من يتتبعها وينقب عنها لوجد منها الشيء الكثير.
ولقد قل الأستاذ عبدالعزيز حسين كلمة عن كتاب (لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبدالوهاب ) لحسن بن جمال بن أحمد الربكي ونشر في العدد الأول للسنة السادسة من مجلة البعثة الكويتية مقالة بعنوان (مع الكتب) وهي تنير الطريق بعض الإنارة للمنقب الباحث .
يقول المؤلف , عن ديار بني خالد وما جاورها (من الكويت إلى جانب الغرب عنها بيوم الجهرة وقد كانت الجهرة في عصر الجاهلية قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم بسنين تبلغ مائة في غاية العمرة , فهذه أطلال تدل على عظمتها اليوم فإن فيها خرابات كثيرة من البنيان , وربما وجدوا فيها ذخائر من الدراهم والدنانير في بعض المواضع) .
ثم يقول في مكان آخر عن الجهرة والصبية وما جاورهما (وهذه الأرض كانت معمورة إلى أيام الدولة الأموية , ثم خربت وجلا عنها أهلها إلى سائر البلاد , وينقل أن بقايا أهلها اليوم بأرض خوزستان ) .
فنعلم من هذا وقد أطلق على اسم كاظمة على تلك المنطقة التي تدخل الجهرة في ضمنها أن تلك الأرض كان معمورة غاية العمران في الجاهلية قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بنحو قرن وأنها بقيت معمورة إلى أيام الدولة الأموية التي هي أيام الفرزدق وجرير.
فأين تلك الأطلال التي وصفها المؤلف؟ , وأين بقايا الأعوام السالفة الطويلة؟ . وهي طبعاً مدفونة في الأرض محتاجة للتنقيب والكشف.
والغريب أن فكرة المؤلف عن العمارة في هذه الأرض وأنها كانت ممتدة إلى الصبية لا تزال أطلالها باقية في نفوس أهل الجهرة وكأنها خرافة شائعة إذ يرى الكثيرون منهم أن الجهرة كانت عامرة وآهلة بالسكان من قبل , وأن مساكنها كانت تمتد إلى الخويسات الواقعة عنها شرقاً , ولعل الفصل في هذا الرأي راجع للمختصين في دراسة الآثار والبحث عنها .
ولا يفوتني هنا أن أذكر ما قاله الشيخ محمد بن خليفة آل نبهان في كتابه التحفة النبهانية , وكان قد زار الجهرة وكاظمة وأثبت فيها هذه الكلمة : (وكانت الجهرة قبل الإسلام بلدة عامرة وآهلة بالسكان , لأنها كما قلنا تعد جزءً م كاظمة , ولا تزال أطلال البلاد القديمة موجودة تحت الثرى , فإذا ما حفر الشخص بئراً هناك أو شق أساساً للبناء وجد في أعماق الأرض بعض الجدران والحيطان وآثار العمران ظاهرة , وقد عثر فيها على نقود قديمة من عهد الجاهلية وعلى بعض الآثار القديمة , كما أنه قد وجد في بعض الحفريات آجرٌ قديم , وقبور مدفون فيها أناس وقوفٌ غير مضطجعين ) .
ويقول الشيخ : ( ويوجد هناك تلال قائمة على أنقاض البلاد القديمة (كاظمة والجهرة) الممتدة طولاً (شمالا وجنوبا ) نحو ستة أميال وعرضاً نحو أربعة أميال (شرقاً وغرباً) ــ ) .
وقد ظهر علينا الجزء الصادر في 2 مارس 1958 في مجلة الكويت اليوم الرسمية , وقد تضمن التقرير الأول الذي كتبته البعثة الدنمركية التي استقدمتها إدارة المعارف للكشف عن الآثار في الكويت ورئيس هذه البعثة الدكتور ب . ف كلوب مدير متحف آثار ما قبل التاريخ في مدينة أروس بالدانيمرك , ومما كتبته البعثة : ( وقد قمنا بجولة استكشافية في أراضي الكويت كذلك , وقد أمكن العثور على ما يثبت قيام حضارات من العصر الحجري في البلاد , ففي الساحل الشمالي لخليج الكويت وعلى مقربة من كاظمة و مديّرة , عثرنا على أربعة أماكن فيها آلات صنعت من الأردواز , مما يدل على أن حضارة محلية قد نشأت في هذه المنطقة صنعت أدواتها وأسلحتها من تلك المادة ) .
وتوجد في جزيرة عكاز التي تقع على جون الكويت في الجهة الجنوبية الشرقية لمنطقة كاظمة الكثير من الدلائل على وجود آثار قديمة وقد تعرفت البعثة الأمريكية لجامعة جون هوبكنز في سنة 1973 على صحة ذلك وكان رأي رئيس البعثة أن المواد التي جمعت من الجزيرة تعود لفترات مختلفة منها الإسلامي في القرن السابع عشر ومنها المستورد من منطقة البحر الأبيض المتوسط وتعود للقرن الثاني ميلادي , وبعض الفخار الذي يعود إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد .
وللأسف فإن هذه الجزيرة قد دخلت ضمن توسعة ميناء الشويخ وزالت أكثر المواضع المتوقع أن تكون تلك الآثار فيها , ولم يبق إلا أحد التلال التي حرصت الجهات المعنية بالآثار على الاحتفاظ به .
وهنا يقوى الأمل في الكشف عن بعض الآثار العربية وفي هذه الأرض بعد أن تبدت فيها للبعثة بعض الآثار الموغلة في القدم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*المراجع:
1/ العقد الفريد / ج4 / ص 357 / طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر سنة 1944
2/لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب / طبع في بيروت
3/التحفة النبهانية / ج8 / الخاص بالكويت / ص 72
* كتاب كاظمة في الأدب والتاريخ / للمؤرخ الأعجوبة وحيد عصره وفريد دهره د/يعقوب يوسف الغنيم / ص123 إلى ص127 /طبعة الكويت 1995